تربيتنا
مدونة تحتفي بالعطاء التربوي الاسلامي وتحيي جهود أعلامه و تروم وصل ما انقطع
التجديد و الاصلاح في الفكر التربوي الاسلامي -ج2- / د . سعيد اسماعيل علي

جهود الإصلاح والتجديد فى العصر الحاضر

 

  منذ أوائل السبعينيات بدأ الفكر التربوى الإسلامى يشهد مجموعة من الجهود التى تمثلت فى كتابات عدد من أساتذة كليات التربية بصفة خاصة ، و البعض من مواقع أكاديمية أخرى متناثرة ، فضلا عن بعض الممارسات التى سعت إلى إيجاد تنظيمات أو أوعية يمكن من خلالها القيام بعمليات تنشئة وإعداد وتكوين ، بالإضافة إلى عمليات البحث والدراسة 0

   ولابد من التنويه بأن الفترة السابقة على السبعينيات لم تخل تماما ، لكنها فى الغالب كانت دراسات أكاديمية تم الحصول بها على درجتى الماجستير والدكتوراه ، مثل دراسة خطاب عطية عن التعليم فى مصر فى العصر الفاطمى الأول ، ودراسة أحمد فؤاد الأهوانى عن التعليم فى رأى القابسى فى الأربعينيات ، ودراسة محمد نبيل نوفل عن أبى حامد الغزالى 0

   ومن الملاحظ أن كل هذه الدارسات دراسات تأريخية 00

   ومن هنا تجئ قيمة الجهود التى بدأت منذ أوائل السبعينيات 00

 

   سيد عثمان : معمار تربوى فريد :

     هو فى الأصل عالم نفس ، لكنه لا يحبس نفسه فى إطار التخصص فى حد ذاته وإنما يجول فيه جولات عالِم يوظف ما يعرف فى بناء الإنسان المسلم ، مؤكدا أن التخصصات النفسية والتربوية التى ظهرت منذ عدة عقود ربما تفيد فى بعض الجوانب بحكم اتجاه العصر نحو التخصص والانشطار المعرفى ، لكنه يعود ليؤكد أن رؤية الترابط والتكامل بين الدراسات النفسية والتربوية هو جهد العلماء الذين يملكون من سعة الأفق ودقة الإحساس بالمسئولية الاجتماعية ما يدفعهم إلى تناول القضية فى كليتها ورحابة آفاقها 0

  وهو يكتب فى عام 1979 كتابه الفريد ( المسئولية الاجتماعية والشخصية المسلمة ) ، وكان قد نشر منه أفكارا أولية قبل ذلك بنحو خمس سنوات 0

   والمشكلة الكبرى التى تواجه من يتناول فكر سيد عثمان أن كتابته من نوع فريد كأنه شعر منثور يصعب تلخيصه وإلا ضاعت بعض معالمه الأساسية ، أو هى ثمرات قلب صوفى يحاول أن يسطر بالقلم ما عاناه من خبرة وتجربة ، إذا كانت " ذاتية " فى جانب ، فهى " موضوعية " فى النهاية 0

   وهو إذ يسعى إلى التأكيد على حتمية وضرورة التجدد ، يرجع ذلك إلى طبيعة الإسلام نفسه ، فالإسلام " مثال كمال الحياة فى الإنسان ، ولذا ففجره دائما مرتقبمرجو فى افق الحياة ، وفى أفق قلب الإنسان " ( ص/ د ) 0

    وإذ يبشر سيد عثمان بشروق الذات المسلمة وكيف أنه آت من أفق قلب الإنسانية وفطرتها وضميرها ، فإن من ألزم واجبات أهل العلم فى الأمة المسلمة " أن ينظروا ، بعين العقل وعين القلب ، برأى العلم وإلهام البصيرة ، إلى ما وراء ذلك الأفق الكريم ، ليترسموا ما تكون عليه هذه الذات المسلمة البازغة ، المرتقبة المرجوة " ( ص/هـ ) 0  

    وما قدمه سيد عثمان فى الكتاب المشار إليه هو جهد من الجهود التى يمكن أن يبذله مسلم علمى مهتم فى محاولة رؤية وتمييز جانب من الشخصية المسلمة البازغة ، وهو الجانب الاجتماعى ، وعلى وجه أخص المسئولية الاجتماعية فيه ، ثم محاولة رؤية وتصور كيف تكون تربيتها فى هذه الشخصية المسلمة 0

    وكان سيدعثمان حذرا للغاية فى الإسراف فى إضافة الصفة الإسلامية لكثير من الموضوعات والأنساق المعرفية ، وخاصة فى الإنسانيات ، وفى مقدمتها العلوم التربوية والنفسية ، وعلى سبيل المثال ، عندما استشير فى عام 1986 من قبل أحد أساتذة جامعة الملك سعود بالرياض فى تقرير مقرر باسم " التفسير الإسلامى للسلوك " ، لم يرحب بذلك ، على الرغم من توجهه الإسلامى المعروف 0

     أما السبيل الذى رآه أسلم وأقوم ، وأهدى ، وآمن ، فهو ذو شعبتين ، أما الشعبة الإولى فهى أن ندرس علم النفس المعاصر من حيث هو علم له أصوله ومناهجه ، وطرائقه ، ومدارسه ، بل له أساليب نقده وتعديله الذاتية ، وأن نستوعب نظرياته ونتائجه ، استيعاب الواعى بما فيها من صحة وعلة وقوة وضعف ، إذ لا يمكن أن تكون لنا ذاتية إسلامية فى دراسة علم النفس ، ولا يمكن أن نؤصل اتجاها إسلاميا فى علم النفس ،  دون هذا الاستيعاب المتمكن ، والدرس الفاهم ، والمعرفة الواعية بعلم النفس المعاصر 0

    أما الشعبة الأخرى فى السبيل الذى يرتضيه ، فهى أن نفيد إلى أقصى حد ممكن من دراستنا المستبصرة تلك لعلم النفس المعاصر ، نفيد منها فى التطبيق فى مجالات الحياة المختلفة بالنسبة إلى الفرد المسلم ، والمجتمع المسلم 0

    وهو يرى فى هذا استجابة للدعوة الإسلامية التى تتردد قوية ناصعة فى كتاب هدايتنا الكريم إلى أن نعد ما نستطيع من قوة ، والقوة هنا هى قوة التطبيق الرشيد ، والمسترشد بأى نتاج علمى فيه صالح للفرد المسلم ولمجتمعه 0

     ومن ثم فقد اقترح سيد عثمان عنوان ( التوجيه الإسلامى للشخصية ) بدلا من ( التفسير الإسلامى للسلوك )  00والمسألة هنا ليست تبديل عنوان بآخر ، بل هو أبعد من ذلك " لأنه يضرب فى صميم الموقف ، وجوهر التوجه ، وقوة لاتوجيه للمصطلح ، أو العبارة ، أو العنوان ، ذلك لأن المصطلح ، فى العلم بخاصة ، له قوته الفعالة ، حتى وإن خفيت وله تأثيره العميق ، حتى وإن خفت ، ففرق كبير بين أن أقول " تفسير " ، وأن أقول " توجيه " ، وفرق كبير كذلك بين أن أقول " سلوك "، وأن أقول " شخصية " ، وفرق كبير بين أن أقول " تفسير إسلامى " وأن أقول " توجيه إسلامى " ( مجلة دراسات تربوية ، مارس 1986 ) 0

    ولعل أبرز ما ينبئ بتوجه سيد عثان هو ما جاء فى محاضرته فى كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض فى 25 أبريل 1995 ( الذاتية الناضجة ، ص 185 ) 0

    كان الموضوع هو عن " التأصيل اتجاه إسلامى فى علم النفس " ، حيث وصفه بأنه حركة فكرية فى طبيعتها ، علمية فى منهجها ، إسلامية فى روحها ، ثقافية فى تفاعلها ونمائها " 0

    أما وصفه للموضوع بأنه حركة ف " لأنه ظاهرة حية ذات غايات هى منبعثة ومتجهة إليها "0

    ويجئ وصف الحركة بأنها فكرية فى طبيعتها " لأنه نتاج إدراك وفهم وتقييم جديد للدور الفكرى للإسلام فى عصرنا هذا " 0

     ووصفها بعلمية المنهج لأنها " لا يمكن أن تلتزم المنهج العلمى المتعارف عليه بين أهل التخصص فى علم النفس ، على الرغم من أننا قد نختلف مع بعض ما فيه ، كما يختلف أهله هناك ، ولكننا مع ذلك لابد أن نلتزم أصول المنهجية العلمية المعاصرة  " 0

     ووصفها بالإسلامية فى روحها ، لأنها فى هذا مثل أى حركة للإنسان المسلم فى عمومه ، والعلمى المسلم فى خصوصه ، والنفسانى المسلم فى أخص خصوصه 0

    وأخيرا فوصفها بأنها " ثقافية " فمن جهة تفاعلها مع السياق الثقافى العام فى المجتمع المسلم ، إذ يجب ألا تنعزل عنه بدعوى التخصص والتعمق ، أو تتعالى عليه بدعوى العلمية الخالصة أو الرفيعة " حركة التأصيل هذه موصولة بثقافة مجتمعها ، تأخذ منها عونا وتوجيها ومادة لتأملها ودرسها ، وتعطيها استنارة وفهما ووجهات نظر فى مشكلاتها ، هى حركة متفاعلة مع ثقافة مجتمعها 00ولا يمكن إلا أن تكون كذلك ، وإلا انزوت وذوت أو ضؤلت وتضاءلت  " 0

    ولعل أكثر المجالات إثارة للجدل ، المجال التاريخى فى التربية الإسلامية ، حيث يقع  كثيرون فى خطأين منهجيين : أولهما التعامل مع الموروث التربوى الإسلامى وكأنه كتلة واحدة ، مهما اختلف الزمان وتباين المكان ، وثانيهما الحرص على اتخاذ موقف دفاعى عن الموضوع وكأنه مبرأ دائما عن الخطأ والسلب ! فماذ كان موقف سيد عثمان التجديدى ؟

    نعرف ذلك من خلال دراسته لعلم من أعلام الفكر التبوى والنفسى الإسلامى ألا وهو " برهان الدين الزرنوجى " ، المتوفى عام 620 هجرية ، وعاش فى خراسان ، فى كتابه تعليم المتعلم طريق التعلم ) ، فماذا كان منهجه فى دراسة هذا الإرث ( مجلة دراسات تربوية ، جزء 58 ، 1993 ) ؟

     أولا – قرأ هذا الأثر قراءة إقبال ، وحب وشوق ، وليس فى هذا مجافاة للموضوعية ، بل اعتبره ترشيدا لها ، ولم يعتبره من الذاتية ، حيث فيه إنضاج لها ، ولم يرد أن يتناول مثل هذا الأثر ببرود الموضوعية وتباعدها 0

     ثانيا – وقد حرك موقفه هذا المقبل المحب عنده حاسة الذوق فى قراءة الكتاب 0 إنه ذوق علمى ، فيه مسحة فلسفية ، وفيه لمحة فنية ، وفيه يقظة وجدانية ، ومثل هذه القراءة هى التى تميز بين قراءة المستشرق الغريب ، الذى هو أعجمى الذوق للعربية  قبل أن يكون أعجمى اللسان فيها ، وبين قراءة الابن المنتمى إلى أبيه ، وبرهنة على صحة هذا النهج إشارته إلى دراسة كل من إبل وفون جرونباوم Ebel , Von Grunbaum ( 1947 ) وانتقدا الزرنوجى انتقادات تسئ إلى منهجهم الفكرى ونظرتهم العلمية ، أكثر مما تسئ إلى الزرنوجى وكتابه ، ومع الأسف فقد تأثر بهما بعض العرب والمسلمين ، فتابعوهم فى الفهم الخاطئ للزرنوجى 0

    ثالثا – التزم فى قراءته ، أو دراسته لكتاب الزرنوجى بما تعرض له الشيخ ، ولم يحاول أن يدخل فى آرائه أيا من الفكر النفسى المعاصر فى التعلم ، وإنما تحرى أن يستشف من كلامه وتحليله ما يتصل بعملية التعلم فى حقيقتها ، وفى أوسع معانيها ، منظما إياها فيما أسماه " نسق التعلم عند الزرنوجى " 0

     رابعا : وكما لم يفرض على فكر الزرنوجى فكرا غريبا عنه ، لم يحاول أن يقومه ، أو يحكم عليه بمعيار معاصر ، وإنما فى سياق عصره ، حتى أنه لم يسم ما استخلصه من تصور من كتاب الزرنوجى " نظرية " لأن النظرية أداة منهجية حديثة من أدوات العمل العلمى 0

     خامسا – أنه وإن التزم فى استخلاص نسق التعلم عند الزرنوجى بكلامه ، فإنه تحرر فى النظرة إلى النسق وعناصره ، محاولا أن يربط بين هذه العناصر والدراسات الحديثة فى علم النفس ، فكأنه احتفظ للنسق بانتمائه الكامل إلى الزرنوجى ، ولكنه تحرك به ، فى استقلال له ، فى سياق علم النفس المعاصر 0

  

سعيد إسماعيل ، وتأسيس علم للتربية الإسلامية :

من العسير حقا التحدث عن النفس ، خاصة من خلال دراسة منهجية علمية ، لكننا نعتذر مقدما ، مستندين إلى أننا فى مجال " تاريخ " ، لابد فيه أن نلتزم بما جرى ، محاولين – بقدر ما تسع الطاقة – ألا نزيد مما قد يجلب شبهة العُجْب بالذات 0   

فلأول مرة فى تاريخ التعليم تبدأ مؤسسة لإعداد المعلم فى مصر عام 1971 فى تدريس مقرر باسم التربية الإسلامية ، فى كلية التربية بجامعة الأزهر ، على مستوى الدراسات العليا ، وينتدب له كاتب الدراسة الحالية لتفتح الطريق بذلك إلى أن تقوم دراسة الفكر التربوى الإسلامى على اسس منهجية علمية ، ولا تقف عند حد التأملات العقلية والنصائح الوعظية 0

    كان من الواضح بالنسبة لى أننى أؤسس لطريق جديد ، بقدر ما يكون عليه من السلامة والسوية بقدر ما يمكن معه ضمان أن يجئ اللاحق سائرا على الدرب نفسه ، مع الأخذ بعين الاعتبار ما هو واجب ممن عمليات إعادة النظر والنقد والتطوير 0

  من هنا كانت نقطة الانطلاق هى أن نحدد " المنهج " الذى يمكن من خلاله التفكير والبحث والدرس لقضايا التربية الإسلامية 0 والموجه الأساسى فى تحديد المنهج هو التساؤل أولا عن معنى التربية الإسلامية ، حيث لابد أن يحكمنا هنا المنطق نفسه الذى يحكم من يريد أن يحدد مفهوم التربية الأفلاطونية – مثلا – أو التربية البراجماتية أو النقدية 00وهكذا 0

   فمثلما من المحتم الرجوع إلى مبدع كل تربية من هذه التربيات ، مثل أفلاطون ، و" جون ديوى " ، و المدرسة النقدية ، كان لابد من التساؤل ، عن المصادر الأساسية التى منها ظهرت التربية الإسلامية ؟ لتكون الإجابة على الفور هى : الله سبحانه وتعالى ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم 0

     ومن هنا كان من الطبيعى أن يبرز لنا أمران : أولهما أن التربية الإسلامية ليس هى ما يتم تدريسه فى المدارس ، حيث تأخذ اسم " التربية الدنية " فى بعض البلدان و" التربية الإسلامية " فى بلدان أخرى ، فهذا النسق المعرفى يقوم بتعليم الطلاب أساسيات الدين من أركان الدين وشعائره وعباداته والسيرة النبوية 00وهكذا ، بينما تريد التربية الإسلامية من منظورنا أن تبحث عن موقف الإسلام مما هو مثار فى عالم التربية والتعليم من قضايا ومشكلات 0

   هذا التحديد للمعنى والمفهوم ، ساعد على تحديد " مصادر التربية الإسلامية " أو ما أصبح يعرف بعد ذلك " بأصول التربية الإسلامية " ، ونشرنا أول دراسة بهذا المعنى فى المجلد الأول للكتاب السنوى فى التربية وعلم النفس ، عام 1973 0

    وبعد أن بينا كيف يمكن الاعتماد على كل من القرآن الكريم والسنة النبوية لبناء تربية إسلامية ، كان لابد أن نقوم بعملية " تكييف " و" مواءمة " لبقية المصادر والأصول ، مثل الإجماع ، حيث رأينا أن هذا المصدر لا ينبغى أن يقوم فى المجال التربوى ، فمعظم المسائل التربوية مما يلحقه التغير فى الزمان والمكان ، ولا نكون بصد تحريم وتحليل ، فإذا كنا بصدد طريقة معينة فى التعليم ، كيف يمكن أن يكون هناك إجماع عليها مثلما نرى فى المسائل الفقهية ؟

    لكننا وجدنا معينا رائعا فى كل من " العرف " ، حيث رادفنا بينه وبين ما يعرف عن " الموروث الثقافى " فى عالمى التربية والاجتماع ، وكذلك بالنسبة للمصالح المرسلة ، التى وجدنا مواءمة لها من خلال ما يجب أن تراعيه الحلول التربوية لمشكلاتنا من حيث مراعاة متطلبات المجتمع ، واحتياجات المتعلم 0

     أما اجتهادات المفكرين والفلاسفة والعلماء ، فقد رأينا أنها لابد أن تكون أحد المصادر ، لكن فى مرتبة متأخرة 0

     وبعد أن حددنا المصادر ، كان من الطبيعى أن تكون الخطوة التالية هى : بأى منهج سنقوم باستنباط الأفكار والآراء والمضامين التربوية فى المصادر المشار إليها آنفا ؟

      هنا كان لابد أن يكون المنهج هو ما يتبعه أهل أصول الفقه ، وهو ما بحثناه من خلال دراسة نشرت بالكتاب السنوى للتربية وعلم النفس عام 1974 0

     ثم أتاح الله لنا أن ننتقل للعمل بكلية التربية بمكة المكرمة عام 1975 ، حيث وجدت مقررا يدرس لطلاب المرحلة الجامعية الأولى باسم ( أصول التربية الإسلامية ) ، وكان الكتاب المستخدم هو ( منهج التربية الإسلامية ) للأستاذ محمد قطب ، وهو من الجهود الأولى حقا لبناء الفكر التربوى الإسلامى ، وكان ظهوره لأول مرة عام 1961 ، خاصة وأن مادته استمدت كلها من كل من القرآن الكريم والسنة النبوية بالفعل ، مما لابد معه أن يحتل مرتبة الريادة على الطريق 0

    لكننى رأيت ساعتها ، عندما تم تكليفى بتدريس بتدريس مقرر باسم أصول التربية الإسلامية ، أن الإعداد الصحيح للطلاب لا يكون بتزويدهم " بالنتائج " ، أو بعضها ، وإنما يكون مركزا على " الأدوات " 00كنت بين خيارين : هل أزود الطلاب " بالسمك " أم بشبكة صيد ؟ ليكون الانحياز ، وفورا إلى ضرورة تزويدهم " بالشبكة " ، بحيث يكون المقرر " منهجيا " يقوم على البحث أن مصادر التربية الإسلامية ، والحجية التربوية لكل مصدر ، والمنهج الواجب اتباعه 0

     وتمخضت التجربة بعد عام على تطوير الدراستين اللتين سبق لى إنجازهما لتربية الأزهر ليظهر لى بعد ذلك ، ولأول مرة فى اللغة العربية كتاب يحمل عنوان ( أصول التربية الإسلامية ) ، ثم يشيع هذا العنوان بعد ذلك بين كثيرين 0

    وأخذت بعد ذلك بحوثى ودراساتى تسير على الطريق ، حتى بلغت كثرة عددية واضحة 0

    لكن ما بدأ يهمنى من الناحية العملية هو العمل على إنشاء دراسة عليا فى التربية الإسلامية ، حيث لاحظت أن الطريق الوحيد للدراسات العليا فى تربية مكة هو فقط للإدارة التربوية ، ولمرحلة الماجستير فقط 0

     وهنا اقتضى الأمر منى جهدا شاقا فى أن أقنع القوم ، بأن تربية مكة أولى مكان فى الدنيا بإعداد متخصصين فى التربية الإسلامية 0

      وبالفعل نجحت فى عام 1977 فى استحداث برنامج للماجستير فى التربية الإسلامية ، أضاف إليه من جاء بعدى برنامجا للدكتوراه ، بل وقسما متخصصا فى التربية الإسلامية 0

     لكن الفرصة الأعظم حقا جاءتنى عندما دعيت أستاذ زائرا لبرنامج الماجستير ( التربية فى الإسلام ) بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة اليرموك بالأردن ، ذلك لأن الجهدين السابقين ، فى كل من جامعة أم القرى ، وجامعة الأزهر كانت محصورة داخل مؤسسة " مدنية " ، أى بمعنى ، أنها مختصة بتعليم وبحث مجموعة من العلوم والدراسات " غير الدينية " ، بينما تكون الفرصة أفضل عندما نجد تربية إسلامية لطلاب شريعة ودراسات إسلامية ، فيكون " التأسيس " العلمى الدينى متوافرا 0

    ثم توج هذا الجهد بالمساهمة فى استحداث برنامج دكتوراه فى التربية الإسلامية لم يكن قائما فى اليرموك ، وإن كانت الجرعة الدينية قد زادت إلى حد ملحوظ على حساب العلوم التربوية والنفسية 0

  عبد الرحمن النقيب ، المهموم بمنهجية البحث :

    كان للنقيب اهتمام مبكر فى البحث فى التربية الإسلامية منذ حصوله على درجة الماجستير عام 1971 عن ( الآراء التربوية فى كتابات ابن سينا ) ، ثم الدكتوراه من انجلترا عن الإصلاح التربوى فى الأزهر فى الفترة من 1872-1972 ، ثم تطور هذا الاهتمام إلى محاولة بلورة منهجية خاصة لبحث فى التربية الإسلامية ، وكانت دراسته ( من آفاق البحث العلمى فى التربية الإسلامية ) محاولة أولى منه لتحيد المجال : التربية الإسلامية ، وأهم مباحث التربية الإسلامية ، وأهداف البحث العلمى فى التربية الإسلامية ، ومعوقات البحث فى التربية الإسلامية ، ونظرة مستقبلية فى التربية الإسلامية ( المنهجية الإسلامية ، ص 30 ) 0

    ثم عاد النقيب مرة أخرى لموضوع البحث العلمى فى التربية الإسلامية : أهدافه ومجالاته ، ليضع لدراسته السابقة أهدافا جديدة للبحث العلمى فى التربية الإسلامية، ينبغى أن يطرقها الباحثون ، وليحدد متطلبات البحث العلمى : متطلب سياسى وشعبى ، متطلب بشرى ، متطلب معلوماتى ، متطلب اقتصادى ، متطلب ثقافى ، متطلب تنسيقى وتنظيمى ، وليظهر التحديات التى تواجه الباحثين فى التربية الإسلامية ، ويتساءل عن مدى شعورهم بالأزمة ومدى قدرتهم على الاستجابة الصحيحة أمام تلك التحديات 0

    وفى دراسة تالية للنقيب بعنوان ( منهج المعرفة فى القرآن والسنة ) دراسة تحليلية مقارنة ، تناول مكونا مهما من مكونات المنهجية الإسلامية وهو اختلاف منهج المعرفة الإسلامى عن سواه باعتماده على القرآن والسنة كأقوى مصادر المعرفة بجوار الحس والعقل ، ثم شئ آخر سماه النقيب " التقوى " ، بجوار ما ينبغى أن يتوافر لطلب المعرفة المسلم من أخلاقيات تحدثت عنها كتب تراثنا التربوية تحت عناوين عديدة مثل " آداب المتحدث " ، " آداب التأليف " ، " أدب المفيد " 00إلخ 0

     ولعل أول اقتراب حقيق من قضية المنهجية والمنهج ، واختلافهما فى البحث التربوى الإسلامى عنه فى البحث التربوى الوضعى المعاصر كانت دراسته عن ( نماذج البحث التربوى عند المسلمين ) ، وذلك من خلال رؤية أربع دراسات من تراثنا التربوى تمثل أربعة اتجاهات تربوية مختلفة فى فترات تاريخية مختلفة وهى " آداب المعلمين " لمحمد بن سحنون " ( 202 – 256 هـ) ، ويمثل الاتجاه الفقهى ، و " تهذيب الأخلاق " لابن مسكويه ( 320- 421 هـ) , يمثل الاتجاه الفلسفى ، وكتاب " العلم " من " إحياء علوم الدين " لأبى حامد الغزالى (450-505هـ) ، ويمثل الاتجاه الصوفى ، و " فى العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وما يعرض فى ذلك من الأحوال " ، من مقدمة ابن خلدون (732 – 808 هـ)، ويمثل الاتجاه الاجتماعى (المنهجية الإسلامية ، ص 31) 0

     ومن ضمن عناصر وأركان أساسية للمنهجية الإسلامية فى التربية نتوقف قليلا مع النقيب فى العنصر الخاص بالمفاهيم  (ص 103) ، ذلك أن المفاهيم عبارة عن أفكار أو تعبيرات تجريدية تعتمد على الصفات أو الخاصيات المشتركة للأشياء أو الأحداث ، وحينما توضع المفاهيم مع بعضها البعض من أجل شرح ظاهرة معينة فإنها تدعى بالنظريات 0ويفرق البعض بين المفهوم والتعريف بقولهم أن " المفهوم " لفظ أو رمز يعبر به المناطقة عن المعنى الذى يدل عليه الشئ ، بينما التعريف يعنى تحليلا لمكونات هذا الشئ ، وكذلك خصائصه ومفرداته ، بينما يرى آخرون أن المفهوم والتعريف كلاهما يعبران عن وجهين لعملة واحدة 0

    والمفاهيم والتعريفات هى التى تستخدم فى صياغة الفروض النظرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ومن ثم تحدد اتجاه البحث 0 ولعل الاختلاف فى النماذج المنهجية إنما هو اختلاف بالدرجة الأولى فى المفاهيم المستخدمة ، ولذا ينبه الباحثون إلى خطورة استخدام المفاهيم والتعريفات الوافدة دون التأكد من مدى سلامتها وصحتها إسلاميا ، ويعرض بعضهم موقفنا من المفاهيم الوافدة ، فاتجاه يرفض تلك المفاهيم جملة وتفصيلا ويركز على المصطلحات الإسلامية والتراثية ، والبعض الآخر يتبنى الاصطلاح الغربى ذاته مع إعطائه محتوى إسلاميا ، والبعض الآخر يستخدم المصطلح الوافد دون خلط بينه وبين المصطلح الإسلامى ، وذلك من أجل مد جسور الحوار مع المثقفين الذين اعتادوا استخدامه 0 وبهذا يكون الهدف الانتقال إلى المصطلح الإسلامى والتخلى تدريجيا عن المصطلح الأجنبى 0

   وقد أكد النقيب على ضرورة مراجعة جميع المفاهيم التربوية الوافدة حتى تتلاءم مع المنهجية الإسلامية ، وذلك من خلال اتباع الخطوات التالية ( ص 104 ) :

·   الحرص على إحياء المفاهيم القرآنية والواردة فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة اشتقاق أكبر عدد ممكن من المفاهيم التربوية من القرآن والسنة مثل مفهوم الشورى ومفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر 0

·        الحرص على استخدام اللغة العربية فى صياغة المفاهيم 0

·        السعى إلى الاستفادة من الخبرة التاريخية الإسلامية فى تحديد المفاهيم 0

·        الحرص على ألا تتعارض المفاهيم مع العقيدة الإسلامية 0

      والميزة البارزة فى جهود النقيب هى جهوده " العملية " ، حتى ولو تمثلت فى مشروعات لم يكتب لبعضها التحقق والتشخص ، فلم يكن ذلك تقصيرا من الرجل بقدر ما كان تقصيرا من الجهات المقدم لها المشروع ، حيث نعلم مع الأسف الشديد ضعف الحماس لدى كثير من الجهات فى بذل المزيد من الجهود العلمية التطبيقية للتربية الإسلامية ، سواء باقتراح إنشاء مدارس ، أو مكتبات أو معاهد ، أو مؤتمرات ، وإن كان قد نجح فى عقد بعض الدورات التدريبية لإعداد باحثين فى التربية الإسلامية ، فى مصر والأردن 0

     ويهمنا هنا تقديم نموذج لمقترح للنقيب قدمه لرابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة لإنشاء " المعهد العالمى للتربية الإسلامية " ، على الرغم من أنه تقدم به بناء على طلب أمانة شئون الجامعات والبحوث بالرابطة 0

    وقد أجمل الأهداف التى كان يرجو تحقيقهها من خلال إنشاء المعهد ، نشير إليها لنلمس صورة من صور الإصلاح والتجديد التى كان النقيب  يرجو تحقيقها ( المنهجية ، ص 485 ) :

1- إعداد الباحث والخبير والأستاذ الجامعى القادر على الإسهام الجدى فى عملية إسلامية العملية التربوية داخل مؤسسات إعداد المعلمين بالعالم العربى والإسلامى0

2- الإسهام فى تحقيق التراث التربوى الإسلامى ونشره وتشجيع حركة البحث والتأليف فى مسائله ومواضيعه وخاصة ما له علاقة وثيقة بإسلامية العملية التربوية فى عالمنا الإسلامى المعاصر 0

3- إجراء البحوث والدراسات الجادة حول إسلامية العملية التربوية : معلم ، منهج ، إدارة ، مناخ تربوى 000إلخ بقصد تقديم البدائل الإسلامية المناسبة لمدخلات ومخرجات تلك العملية 0

4- الإسهام فى النشاطات العلمية والثقافية المتخصصة على المستويين الإسلامى والعالمى ، بما يحقق أهداف المعهد على المدى الطويل دون تسرع أو تقصير 0

5- العمل على إقامة الروابط العلمية الوثيقة بين المهتمين بإسلامية العملية التربوية فى الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية المحلية والدولية ، وتسهيل تبادل الخبرات بين المعهد وتلك الجهات ، وتوفير الإمكانات لاستقبال الأساتذة والباحثين والطلبة المهتمين بالدراسات التربوية الإسلامية لأغراض العمل أو الدراسة أو الإقامة المحدودة فى جو المعهد الإسلامى التربوى الأصيل 0

  

    على مدكور وإسلامية المنهج المدرسى : 

    الدكتور على مدكور هو أحد أساتذة المناهج وطرق التدريس ، وهو القطاع الأكبر فى العلوم التربوية والنفسية ، عرف بمرجعيته الإسلامية ، وسعيه الدائب ببث هذا التوجه فى علوم المناهج ، حيث أن هذا المجال ربما كان من أكثر الميادين التربوية تعرضا للسير وفق النموذج المعرفى الغربى ، بحكم ما تصوره البعض من أنه من العلوم المستحدثة التى ليس لنا فيها سابق خبرة وعلم ، غافلين عن أن أى منهج لابد له من الاستناد إلى " تصور " أو نموذج معرفى ، وهو ما حرص على مدكورعلى التأكيد عليه والترويج له 0

    ففى دراسة مبكرة له بمجلة دراسات تربوية (ج7 ، 1987 ) يرصد على مدكور المشهد التربوى ليجد أن المرء يجد نفسه أمام مجموعة نظريات وفلسفات وأفكار مختلفة ، بل ومتناقضة – أحيانا – فى معطياتها ، وفى مبادئه الأساسية  000إن المتأمل فى هذا المشهد يمكن أن يجد كل المدارس الفكرية ممثلة : الفرنسية ، والإنجليزية ، والأمريكية ، والإسلامية ، والمصرية ، ويعيب على الدراسات التربوية أنها تأخذ من هذه الفلسفات دون دراسة واعية للنظريات والمبادئ الموجهة للمظاهر والتجارب التى تأخذ بها 0

    ولما كانت الأفكار المنقولة من الغرب تارة ومن الشرق تارة أخرى ، تنقل مبتسرة ، ومنتزعة من سياقها انتزاعا ، فإن كثيرا من البحوث التى أعدت بناء على هذه الأفكار لم تنطلق من نظرية معرفية أو منهجية ، ولم ينتج عنها تبلور لنظرية معرفية على غرار ما نعرف من نظريات مثل " الإحياء الثقافى " أو "التطورية " أو " البنيوية " 0 لم تنقل النظريات متكاملة من الغرب ، وكل نظرية تتضمن مفاهيم أساسية عن الإنسان والكون والمجتمع ومنهج البحث والجوانب التى تستحق أو تبحث 0

    وهو يعيب عدم تبلور اتجاهات نظرية ذات طابع مصرى فى رؤية الواقع المصرى ، وهو بذلك يسعى إلى الجمع بين الاتجاه " الوطنى " و " الاتجاه الإسلامى " ، وإن كان ما سوف يرسم ملامحه من اتجاه نظرى ، لا نجده مختصا بوطن معين ، بل هو خاص بكل مجتمع يعتنق العقيدة الإسلامية 0

     أما السبب فى عدم تبلور مثل هذه الاتجاهات النظرية لدراسة الواقع ، فهو ما ساد بين التربويين من أن البحث لا يكون علميا إلا إذا كان امبريقيا ، ونشأت اتجاهات معادية للتنظير ودراسة المكتب ، لاختلاط معنى التنظير بالكلام الإنشائى والعبارات الخطابية ، وكان من نتيجة ذلك كم من البحوث يتجه إلى مشكلات الواقع بطريقة مباشرة لحل مشكلاته ،مسايرة للاتجاه " العصرى " فى البحث ،وخلع عمامة التنظير !!

    وفى بحث مدكور عن الاتجاه النظرى الذى ينبغى أن تقوم عليه الدراسات التربوية ، يتجه مباشرة ليعلن أن الهوية التى نبحث عنها هى الإسلام ، وذلك بحكم أننا مسلمون أولا وأخيرا 0 والهوية الإسلامية ليست بديلا معروضا علينا ضمن بدالئل أخرى نختار منها ما نشاء ، لأنه ليس من الممكن أن نختار غير الإسلام هوية ونظل مع ذلك مسلمين ، فنحن حين ابتغينا الإسلام دينا ، فقد ارتضيناه هوية ، لأن الدين فى المنظور الإسلامى هو النظام أو المنهج الذى يحكم الحياة 00كل الحياة ، بما فى ذلك التربية طبعا !

     ومنهج التربية الإسلامية فى نظرمدكور قد يتفق مع بعض مناهج العالم فى كثير من التفصيلات والفروع ، ولكنه يختلف عنها – قطعا – فى القواعد والأصول التى ينبثق منها ، فمعظم مناهج الدنيا تهتم – مثلا – بدراسة العلوم والرياضيات ، وكذلك يفعل منهج التربية الإسلامية ، إلا أن كثيرا من بلاد الدنيا قد تهتم بتدريس هذه المناهج لا لترقية حياة المواطنين فى مجتمعاتها فقط ، ولكن لاستغلال تطبيقاتها التقنية فى صنع أدوات الحرب والدمار ، لا للدفاع عن النفس فقط ، بل وللإعتداء على حقوق الآخرين وحرماتهم أيضا0

     ومعظم مناهج الدنيا تهتم بدراسة التاريخ والجغرافيا ، وكذلك يفعل منهج التربية الإسلامية ، إلا أن معظم هذه المناهج يهدف إلى تربية العزة القومية ، والنعرة الوطنية ، وتخليد المثل والنماذج التاريخية لتقوية الاتجاهات العنصرية ، لكن منهج التربية الإسلامية يؤكد عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانيتها التى قررها الله عز وجل فى سورة "ص" (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87)) ، وكذلك فى سورة "التكوير " ، الآية 27 ، وفى سورة الأنبياء (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) 0

    وفى عام 2008 اصدر مدكور كتيبا صغيرا بعنوان ( نحو الخلاص النهائى ؛ خطاب لمثقفى الأمة ) ، حلل عددا أوجه الخلل القائمة فى الثقافة والأمة لينتهى إلى رسم معالم طريق للخلاص ، وهى ( ص 53 وما يعدها ) :

  أولا – ترسيخ الإيمان بالله وبلقاء الله وبالأمل فى الله 0

  ثانيا – إحياء المشروع النهضوى العربى الإسلامى 0

  ثالثا – التحول إلى الشورى أو الديمقراطية 0

  رابعا – بناء الاقتدار المعرفى 0

  خامسا – تحقيق الصحة النفسية 0

  سادسا – إعادة النظر فى نظامنا التعليمى 0

  سابعا من المعرفة إلى الحكمة 0

    ومن الملاحظ أن مدكور كان من الوعى بحيث لم ينحصر ، كما يفعل كثيرون من التربويين فى العملية التربوية وما يتصل بها ، وإنما أبصر المشهد الثقافى والحضارى بجملته ، وفى القلب منه تأتى المسألة التعليمية

    وهو فى دعوته إلى بناء الاقتدار االمعرفى يجد أن التعليم هو الساحة التى ينبغى أن يجرى على أرضها عملية البناء هذه ، وكان مما أشار إليه فى هذا السبيل (59) :

1-  التحول فى التعليم من أساليب التفكير الخطى إلى أساليب التفكير المنظومى وخرائط المعرفة والمهارة 0

2-  الاهتمام بالثقافة العربية الإسلامية 0

3-  تجاوز الاقتصار على التذكر والاسترجاع والاستيعاب إلى العمليات العقلية العليا0

4- التحول من أساليب العزل والفصل وتفيت المعلومات وإقامة الحدود بين المعارف إلى التكامل وتنظيم المعلومات فى نظم معرفية دينامية مفتوحة ونامية 0

5-  التحول من مجرد كوننا رواة لتاريخ العلم وإنجازاته إلى صناعة العلم والابتكار والإبداع فيه 0

6- تقديم الدراسات المستقبلية فى الجامعات وجعلها متطلبا جامعيا يدرسه جميع الطلاب ويدربون فيه على منهجيات البحث فى المستقبل 000وغيرها 0

 

الجهد المؤسسى :

    كل الجهود السابقة تمت على وجه التقريب بمبادرات فردية ، وإن لم يخل الأمر من أن يكون بعضها قد تم تحت مظلة مؤسسة ، ولكن يظل القائم بالعمل هو " فرد " 0

   لكن هناك بعض المؤسسات التى قادت ، أو شجعت على القيام بعدد من الأعمال الفكرية والبحثية لتجديد الفكر التربوى الإسلامى وإصلاحه ، لعل فى مقدمة هذه المؤسسات ما بدأت أرض مكة المكرمة تشهده لأول مرة عام 1977 من مؤتمر عالمى ضخم ، قدمت فيه عشرات البحوث والدراسات ، والتى سار بعضها على النهج التقليدى ، لكن بعضا آخر سعى إلى تقديم رؤى تجديدية ، لجوانب شتى من المسألة التعليمية ، سواء من نواح فنية معروفة ، أو من خلال رؤى ثقافية حضارية واسعة 0

   وتعددت المؤتمرات التى عقدت تحت هذه المظلة ، لكنها توقفت مع الأسف الشديد عند المؤتمر العالمى الخامس الذى عقد عام 1987 بالقاهرة بالمشاركة مع جمعية الشبان المسلمين 0 ويطول بنا المقام لو حاولنا أن نستقصى ولو نماذج من الأوراق التى قدمت إلى هذه المؤتمرات ، فهى وحدها تحتاج إلى دراسة خاصة 0

    وعلى الرغم من أن " المعهد العالمى للفكر الإسلامى " الذى أنشئ عام 1981 بواشنطن قد أخذ على عاتقه ما عرف فى ذلك الوقت بأسلمة المعرفة أو إسلاميتها ، فإن جهوده فى المسألة التعليمية ربما كانت أقل مما بذل فى قطاعات معرفية أخرى ، ولعل من أبرز ما قدمه جهود ماجد عرسان الكيلانى ، وسعيد إسماعيل ، وعبد الرحمن النقيب ، وعبد الرحمن صالح ، ومن أبرز الجهد التى تمت حقا ، ذلك الجهد الببليوجرافى الذى قام به النقيب لحصر ما تم فى مصر والمملكة العربية السعودية من رسائل فى التربية الإسلامية ، وكذلك ماجد الجلاد ، بخصوص ما تم فى الأردن 0

     لكن إذا وضعنا فى الاعتبار أن هناك أنساقا معرفية تمثل أسسا للعمل والتفكير التربوى ، فإننا يمكن اعتبار عدد آخر من الكتب والبحوث التى أجريت تحت مظلة المعهد هى المجال التربوى بمعناه الأوسع ، مثل كتاب عبد الحميد أبو سليمان عن ( أزمة العقل المسلم ) ، والكتاب الذى وضعه المعهد عن ( إسلامية المعرفة ) ، وما كتبه محمد عمارة عن المنهج الإسلامى ، ومجموعة باحثين عن بنية المفاهيم ، ودراسات عن نظرية المعرفة ، وأخرى عن النظر العقلى فى القرآن الكريم ، وأيضا الأمثال فى كل من القرآن الكريم والسنة النبوية ، والعمل الضخم ( من ثلاث مجلدات ) لعمل كشاف عن بنية المفاهيم النفسية فى القرآن الكريم ، فضلا عن المجلدات المتعددة التى ضمت بحوث مؤتمر المنهجية الإسلامية ، حيث كان من الطبيعى أن تتصل مناهج البحث فى العلوم الإنسانية ، منهجية البحث فى العلوم التربوية والنفسية0

     وكان المؤتمران اللذين نظمهما الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيرى عن إشكالية التحيز ، أولهما عام 1992 ، وثانيهما عام 2006 من أهم ما يتصل أيضا بالفكر التبوى ، من حيث البحث عن " هوية " ذاتية تشكل الأساس الذى تقوم عليه المسألة التربوية فى المجتمع العربى الإسلامى 0 وإذا كان المؤتمر الأول لم ينعقد تحت مظلة المعهد ، إلا أن المعهد قام بنشر عدد من المجلدات التى ضمت بحوث المؤتمر كلها 000وما سار على هذا الدرب ، فكل هذه الدراسات تشكل ما يمكن تسميته " بالبنية الأساسية " للفكر التربوى ، مما يجعل من المستحيل على باحث تربوى أن يشرع فى تناول قضية من قضايا التعليم من غير أن يكون على دراية وافية بها وبما مثلها 0

    وعقد المعهد ندوة عن التأصيل الإسلامى لعلم النفس عام 1989 ، ومن المعروف أن العلوم النفسية قرينة للعلوم التربوية فى معظمها ، وإن كان بعضها قد لا يكون كذلك ( علم النفس الصناعى مثلا ) ، وشارك فى هذه الندوة أعلام كبار فى العلوم النفسية مثل الدكاترة محمد عثمان نجاتى ،وعبد الحليم محمود السيد ، وفؤاد أبو حطب وغيرهم ، وعقدت الندوة بالقاهرة 0

    ومن المؤتمرات التى اتجهت مباشرة على المسألة التربوية ، المؤتمر الذى عقد بعمان الأردن عام 1990 بعنوان ( نحو بناء نظرية للتربية الإسلامية ) ، لعل عنوانه يؤشر إلى أن هذه القضية هى بالفعل قضية مركزية بالنسبة للفكر التربوى الإسلامى ، فمعروف دور النظرية فى أى نسق معرفى ، إنها العمود الفقرى له ، أو الخيط الذى يربط بين حبات المسبحة إذا صح هذا التشبيه ، ولعل الدقة فى صياغة الشعار لها دلالتها ، إذ تعترف بأننا لا نملك فى وقتنا الحالى " نظرية " ، ويصبح المطلوب من المفكرين أن يجتهدوا ويبحثوا فى سبيل بناء مثل هذه النظرية 0

   وعقد المعهد أيضا فى العام نفسه 1990مؤتمرا عن المناهج التى نسميها " قلب العمل التعليمى " ، فهى الملتقى الذى تتحقق فيه – أو هكذا المفروض - أهداف التعليم وفلسفته ، وهى التى يتم تعليمها لملايين من الطلاب فى مراحل التعليم المختلفة 0

   وفى رحاب جامعة الأزهر عقد فى أوائل التسعينيات مؤتمر ضخم عقدته رابطة الجامعات الإسلامية فى مركز صالح كامل عن التوجيه الإسلامى للعلوم المختلفة ، كان لنا فيه دراسة عن التأصيل الإسلامى لأصول التربية ، وغير ذلك من بحوث ودراسات كلها من شأنها أن تمد الفكر التربوى الإسلامى بمدد كبير ومتعمق وجديد 0

    كذلك عقد فى رحاب كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر مؤتمر كبير عام 1992 عن الطفولة فى الإسلام ، قدمت فيه بحوث ودراست مختلفة من زاويتى علوم الدين ، والنفس والتربية والاجتماع خاصة بالطفل من المنظور الإسلامى 0

    وقامت اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل ، بالمجلس الإسلامى العالمى للدعوة والإغاثة بالقاهرة بعمل متميز فى  مجال تربية الطفل من منظور إسلامى ، وهى بصدد إنجاز ما عرف بميثاق الطفل المسلم ، والذى صدر مستقلا أولا ، ثم متضمنا فى عمل أكبر وهو ( ميثاق الأسرة فى الإسلام ) ، فعند قراءة نصوص المواد الخاصة بالطفل نجد مهارة تشريعية وعلمية فى وضع ميثاق يلتزم بالأصول الإسلامية ،ويُظهر ، تجاوبا ووعيا بمجريات الحياة المعاصر ،وجاء ضمن المواد الخاصة بالطفل ( ص61 ) :

    مادة 91 0 طلب الولد حفظا للنوع الإنسانى 0

   مادة 92 – الرعاية المتكاملة منذ بدء الزواج 0

   مادة 93– الأسرة مصدر القيم الإنسانية 0

   مادة 95 – حق الحياة والبقاء والنماء 0

   مادة 96 – الاحتفاء بمقدم الطفل 0

   مادة 97– الحفاظ على الهوية 0

   مادة 98 – تحريم التمييز بين الأطفال 0

   مادة 112 – التربية الفاضلة والمتكاملة للطفل 0

   مادة 113 – العادات الاجتماعية الطيبة 0

   مادة 114 – التعليم المتكامل والمتوازن للطفل 0

   مادة 115 – الحصول على المعلومات النافعة 000وهكذا 0

     وهناك عدد كبير من كليات التربية ، إذا كانت تخلوا من برامج فى الفكر التربوى الإسلامى ، بحكم لوائحها ، إلا أن الباب مفتوح على مصراعيه حقا بالنسبة لإمكانية إنجاز عدة رسائل للماجستير أو الدكتوراه ، إذا كانت الكلية يسمح نظامها بذلك ، كما نرى بالنسبة لكليات التربية فى مصر والمملكة العربية السعودية ، والأردن ، كما هى حدود علمنا ، حيث لا نعلم على وجه اليقين الوضع فى بقية أنحاء الوطن العربى 0 وسوف نشير فى جزء آخر إلى السلبيات والقضايا الخاصة بمثل هذه الفئة من الفكر التربوى الإسلامى 0

    وفى مصر شارك مركز الدراسات المعرفية مع بعض كليات التربية فى عقد عدد من المؤتمرات ، لا يخلو أى منها من دراسات وبحوث تتناول قضايا التعليم من منظور إسلامى 0

 

  ملاحظات :

     لا يخطئ المستقرئ لحركة الفكر التربوى الإسلامى فى العقود القليلة الماضية فى رؤية " مد " واضح فى الدراسات والكتابات التى تمت فى هذا المجال ، فإذا ما تساءلنا عن تفسير ذلك ، يمكن التفكير فى العوامل التالية :

1- فلعل أول عامل ، هو ما اصطلح على تسميته " بالصحوة الإسلامية " ، والتى ازداد مدها فى العقود الأخيرة كرد فعل – فى أحد عواملها – للهجمة الامبريالية بكل أجنحتها ، سواء ما كان من جانب ما كان يسمى بالكتلة الاشتراكية ،من حيث سعيها لإحلال منظومة فكرية معادية فى أسسها للمنظومة الفكرية الإسلامية ، أو من جانب قوى الغرب السياسى ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية 0 ومثل هذه الصحوة ، كان لابد أن تطال القطاع التربوى ، كما نالت قطاعات معرفية وحياتية متعددة لدى المسلمين 0 ونحن إذ نشير إلى العقود الأخيرة ، لا نغفل أبدا أن الهجمة الغربية بدأت قبل ذلك ، منذ أواخر القرن الثامن عشر ، وهو ما تبدى فى حركة استعمار واسعة النطاق 0

2- وإذا كان هذا مما يمكن وصفه بالعامل الخارجى ، لكن هناك فى طبيعة الإسلام نفسه ، كما هو معروف ، دعوة إلى الإصلاح والتجديد المستمرين ، حيث لابد أن نستحضر على الذهن ، وعلى الفور تأكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة ، على رأس كل مائة عام ، من يجدد لها دينها ، هو الأمر الذى كنا نرى تطبيقه بصفة خاصة فى عصور الازدهار الحضارى الإسلامى ، بينما لم نرى ذلك فى عهود التخلف والتراجع إلا إشعاعات ضعيفة لا تحرك شعبا ولا تزيل جمودا 0 بل إن المبدأ الأساسى المؤكد صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان يفرض التجديد والإصلاح ، لأن الأحوال دائما متغيرة ،وتيار التطور حولنا يتسارع بشكل يزداد معدله عاما بعد ، حتى أن الأسرة الواحدة يمكن الآن أن نلاحظ فيها كيف تتسع الهوة بين الأجيال لفعل التسارع المذهل للتغير ، وهذا يفرض ضرورة المراجعة المستمر ، فليس كل ما كان صالحا الأمس يصلح اليوم ، وما يصلح اليوم قد لا يصلح بالضرورة للغد ، كل ذلك بطبيعة الحال بعيدا عن الثوابت الإسلامية 0

3- ومما لابد من الإشارة إليه بغير استحياء ، هو أثر الطفرة النفطية التى شهدتها منطقة الخليج منذ أوائل السبعينيات ، وبصفة خاصة ، فى المملكة العربية السعودية ، ذلك أن مثل هذه الطفرة قد دفعت تلك البلدان إلى طريق طويل من التعمير المادى والثقافى والاجتماعى ، ولما كانت السعودية هى أضخم بلدان الخليج ، كان هذا التعمير أوسع وأضخم 0 ولما كانت هذه الدول لا تملك فى هذه الفترة المبكرة القوى العاملة التى تعين على القيام بمشروعات النهوض العام ، اعتمدت على العمالة العربية ، وخاصة من مصر 0 ونظرا لأن السعودية عرفت منذ أيام محمد بن عبد الوهاب بالترابط الشديد بين السياسة والدين ، بين الحكم وعلماء الدين ، كان الإقبال واسعا وملحوظا على الاستناد إلى المرجعية الإسلامية فى معظم ، إن لم يكن كل مشروعات التطوير ، وفى مقدمتها التعليم ، وهنا تقدم العديد من أساتذة التربية للبحث فى أمور تقع فى عقر دار الفكر التربوى الإسلامى ، وكأنهم كانوا بذلك – فى كثير من الأحوال – يقدمون ما يدعم ويعزز مواقعهم فى العمل فى بلد المهجر المؤقت ، بل والذى تحول إلى مهجر دائم أو طويل لدى البعض ، فإذا بالفكر التربوى الإسلامى يشهد مدا واسعا ، بل لقد لاحظنا على بعض من كنا نعرفهم فى مصر ، اهتمام غير عادى ، لم يكنم قائما من قبل بالتربية الإسلامية !!

4- كذلك شهدت المنطقة العربية ، وخاصة مصر ، توسعا كبيرا فى إنشاء كليات التربية ، مما تطلب توسيعا فى أعداد أعضاء هيئات التدريس فيها ، ومع الأسف الشديد ، فقد سارعت معظم الكليات إلى فتح باب الدراسات العليا ، قبل أن يكتمل أعضاء هيئة التدريس ، وشكلت هذه الكثرة ، طلبا واسعا لكم كبير من الدراسات ، كان لابد أن يكون من بينها التربية الإسلامية ، خاصة وقد أصبحت أحد المؤهلات التى تسهل للعضو أن يحظى بإعارة إلى دول النفط 0 وضمت بعض كليات التربية أقساما متخصصة فى التربية الإسلامية ، وإن كانت حدود علمنا تقتصر على كلية التربية بجامعة الأزهر ، وكليتى التربية بمكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، فبحكم وجود هذا التخصص ، كان لابد من شغل وظائفها بمتخصصين فى التربية الإسلامية ، يكونون قد أنجزوا رسائلهم للماجستير والدكتوراه فى التربية الإسلامية ، والقيام ببحوث بعد ذلك حتى يترقوا إلى مستويات أعلى سلم أعضاء هيئة التدريس ، وما يرافق هذا أيضا من إقبال بعض طلاب الدراسات العليا لإنجاز رسائل فى الفكر التربوى الإسلامى 00 وما لا يقل عن ذلك أهمية ، ما قد يتطلبه الموقف من وضع كتب جامعية تغطى المقرر وتلبى حاجات الطلاب ،ووجه أهمية هذا النوع من الكتابات أنه أوسع انتشارا وأبلغ تأثيرا حيث أن جماهيره واسعة 0

 

 

  مشكلات وعقبات :

    التجديد والإصلاح ليسا من الأمور اليسيرة ، وخاصة فى مجال الفكر التربوى ، فنحن هنا نكون بإزاء سعى لتغيير فى النفوس والعقول والقلوب ، والقيم والاتجاهات والعادات ، ومن ثم فلابد من من توقع مقاومة ، بل ومحاربة من القوى التى لابد أن تتضرر من حدوث تجديد وإصلاح ، سواء بالداخل أو الخارج ، فواهم من يتصور أن العدو يسكن دائما خارج الديار ، فقد يكون قائما بيننا ، يرى مصالح له ومنافع فى استمرار الوضع القائم على ما هو عليه ، ومن ثم فإن التجديد والإصلاح يمكن أن  يسحب البساط من تحت قدميه ، ويفرز قوى جديدة تسعى على الإصلاح بعد القضاء على الفساد 0 وإذا كان ما سبق مما يمكن أن يشير إلى مقاومات " مادية " ، إلا أننا قد نشهد مقاومة نظرية فكرية فى التشكيك فى قدرات الساعين إلى التجديد والإصلاح ، وتبديد الوقت فى مناقشات وجدل بلا جدوى ، من أجل تشتيت الجهود وبعثرة المساعى0

   ويمكن الإشارة إلى بعض هذه العقبات والمشكلات فيما يلى :

1- غياب التربية الإسلامية عن برامج الكثرة الغالبة من كليات التربية ، ذلك أن ميزة هذه الكليات أن طلابها يعدون كمعلمين ، ومن ثم فلو قد أتيحت لهم دراسة التربية الإسلامية ، فلربما يؤدى هذا إلى مزيد من إذاعة ونشر الفكر التربوى الإسلامى فى ربوع الوطن الإسلامى ، بحكم توزع خريجى كليات التربية فى مختلف البقاع للعمل كمدرسين ، وبالتالى فإن العكس يكون منشئا لأخدود كبير يقف بين أجيال كثيرة وبين ما تسعى إليه التربية الإسلامية من الترويج له من قيم وسلوكيات واتجاهات ومعارف ومعلومات 0

2- ولعل هذا يلفت نظرنا حقا هو الأمر المتصل بالحضين المجتمعى للتربية الإسلامية ، فعلى المستوى الشعبى ، يمكن أن نلحظ العكس ، أى إقبالا ملحوظا وواسعا على ما هو إسلامى ، لكن هذه الظاهرة قد تغلفها غلالة من العواطف التى تكتفى بالمساندة القلبية ، دون قدرة على التحرك العملى 0 صحيح أن بلداننا تسمى " بالإسلامية " ، لكن الهم السياسى يجعل بعض النظم تنظر إلى ما هو إسلامى بقدر من الشك ، وإذا أردنا الصراحة أكثر نقول بقدر من الخوف ، بفضل ما هو معروف من شعبية هذا التوجه ، وهذا ما يفسر احتضان بعض النظم ، على الرغم من تحالفاتها مع القوى الرأسمالية ، من إفساح المجال لقوى اليسار السابق والعلمانيين حتى يكونوا عونا على تعويق المد الإسلامى ، حيث يرحب هذا الفريق بالتعاون ، على الرغم من علمه بالتوجهات الرسمية القائمة ، والتى كانت موضع حرب منه أيام وجود الكتلة الاشتراكية 0 وهذا ربما يكون أحد الأسباب القوية فى صرف النظر فى كليات التربية عن تخصيص قسم أو مقرر أو أكثر فى التربية الإسلامية 0

3- وهناك ما يتعلق بالتكوين المهنى والعلمى ، سواء لباحثى التربية الإسلامية أو المشرفين عليهم ، ذلك أن التربية الإسلامية من العلوم البينية التى تجمع بين تخصصين ، أحدهما العلوم التربوية والنفسية ، والآخر ، العلوم الدينية ، ومن هنا فقد يكون الباحث ممن يملك باعا لا بأس به فى العلوم التربوية والنفسية ، لكنه فقير المعرفة بالعلوم الدينية ، فتغيب عن كتاباته " البنية الأساسية " ، ونجده يحاول لوى ذراع النصوص حتى تتوافق مع ما يعرفه من علوم تربوية 0 وقد يكون الباحث ، على العكس من ذلك ، ذا باع طويل فى العلوم الدينية ، لكنه يفتقر إلى الثقافة التربوية والنفسية ، فينحو فى كلامه وكتابته منحى أقرب إلى " الدعوة " والوعظ والإرشاد مما يبعده عن المنهجية العلمية المنضبطة التى يجب اصطناعها فى التعامل مع بعض القضايا التربوية والنفسية

4- وكثير من البحوث الأكاديمية بصفة خاصة تجئ فى صورة سباحة فى عالم المثال والتجريد وما ينبغى أن يكون 0 إنهم يبحثون عن " المعيار " كما يتبدى فى القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ليطالبوا أهل هذا المجتمع أو ذاك ، أهل هذه الفئة أو تلك بتمثل هذه المعاير والقيم والمثل ، وهذا جميل ومطلوب بطبيعة الحال ، لكن هناك خطوة أخرى تنقصهم وهى أن يبدءوا نقطة البحث من حال قائمة وحال حاضرة ، ولتتحدى قدراتهم ومهاراتهم البحثية طالبة المواجهة والعلاج والحل 0 إن افتقاد هذا التوجه ، نحو واقع الناس وهمومهم ومشكلاته ، والتحليق فى عالم ما ينبغى أن يكون يحرم الفكر التربوى الإسلامى من فرص التغذى على مشكلات الناس وقضاياهم ، ولعل أحد أنهم الأسباب التى بثت الثراء والحيوية فى الفقه الإسلامى ، هو أن كثيرا من الآراء إنما جاءت بعد بحث وتفكير ودراسة ، بناء على مشكلة معينة واجها مسلمون وسعوا على هذا الفقيه أو ذاك سائلين إياه الرأى والفتوى 0

 

 

مراجـــع

 

1-   أحمد تيمور :أعلام الفكر الإسلامى فى العصر الحديث ، القاهرة ، لجنة نشر المؤلفات التيمورية ، 1967

2-   الجبرتى : تاريخ الجبرتى ، القاهرة ، طبعة دار الشعب ، د0ت

3- زكريا سليمان بيومى : التيارات السياسية بين المجددين والمحافظين ، دراسة تاريخية فى فكر الشيخ محمد عبده ، القاهرة ، مركز وثائق تاريخ مصر المعاصرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1978

4- سعيد إسماعيل على : مصادر التربية الإسلامية ، الكتاب السنوى فى التربية وعلم النفس ، القاهرة ، عالم الكتب ، المجلد الأول ، 1973

5- __________: مشكلة المنهج فى دراسة التربية الإسلامية ، الكتاب السنوى فى التربية وعلم النفس ، القاهرة ، دار نشر الثقافة ، 1974

6-   __________: أصول التربية الإسلامية ، القاهرة ،دار نشر الثقافة ، 1976

7-   __________: نظرات فى الفكر التبوى ، القاهرة ، دار سعاد الصباح ، 1992

8- _________: الخطاب التربوى الإسلامى ، الدوحة ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، سلسلة كتاب الأمة ، مايو 2004

9-   __________: أعلام تربية فى الحضارة الإسلامية ، القاهرة ، دار السلام ، 2008

10-    سيد أحمد عثمان : المسئولية الاجتماعية والشخصية المسلمة ، القاهرة ، الأنجلو المصرية ، 1979

11-  ___________: بين علم النفس والإسلام ، مجلة دراسات تربوية ، مارس 1986

12-     __________:  الذاتية الناضجة ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 2000

13- عباس محمود العقاد : محمد عبده ، القاهرة ، مكتبة مصر ، سلسلة أعلام العرب ، 1962

14-  عبد الرحمن النقيب : المنهجية الإسلامية فى البحث التربوى نموذجا ، القاهرة ، دار الفكر العربى ، 2004

15- عبد العاطى محمد : الفكر السياسى للإمام محمد عبده ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1972

16-      عثمان أمين : رائد الفكر المصرى ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية ، 1955

17- على أحمد مدكور : البحث عن هوية تربوية ، مجلة دراسات تربوية ، القاهرة ، عالم الكتب ، يونية 1987

18-   _________ : نحو الخلاص النهائى ، القاهرة ، دار الفكر العربى ، 2008

19-    اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل : ميثاق الأسرة فى الإسلام ، القاهرة ، 2007

20-   محمد عبد الغنى حسن : حسن العطار ، القاهرة ، دار المعارف ، سلسلة نوابغ الفكر العربى ، 1968

21-  محمد عمارة : الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1972

22-________:  الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوى ، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1973

23- وزارة الأوقاف وشئون الأزهر : الأزهر ، تاريخه وتطوره ، القاهرة ، 1964

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home